الحقُّ المبين في كشف شبهاتٍ من عقائد التجانيين [الجزء الأوَّل]

table
عرض المقال
 

 

الحقُّ المبين في كشف شبهاتٍ من عقائد التجانيين [الجزء الأوَّل]

  • عدد الزيارات : 4160

  • تاريخ النشر : الأربعاء 5 شهر ربيع الأول 1434هـ الموافق 16 يناير 2013م


  • الحقُّ المبين في كشف شبهاتٍ من عقائد التجانيين
    [الجزء الأوَّل]

    الحمد لله وحده لا شريك له، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أمَّا بعدُ:

    ففي خضمِّ الصراع العقديِّ والفكريِّ الذي تعيشه الساحة الدعوية، وَرَدَ إلى الموقع انتقادٌ يستنكر فيه صاحبُه الكلامَ المنشور بالموقع في التحذير من عقيدة التجانيين، ويحتاج -في زعمه- إلى التراجع علنًا، والإصرارُ عليه خلاف الأمانة والصدق.

    وهذا نصُّ الانتقاد:

    «بعد قراءة الفتوى المنشورة في موقعكم بخصوص حكم الصلاة وراء إمامٍ يتلو الأورادَ التجانية عند الفراغ من الصلاة، تبيَّن لنا أنَّ محتوى الفتوى افتراءٌ في حقِّ الطائفة التجانية وطعنٌ في مصداقيَّتها، فالمعلوم عنها أنَّ أتباعها زهَّادٌ وَرِعون، يعظِّمون كتاب الله ويتلونه أفرادًا وجماعاتٍ، ليلاً ونهارًا، ويُولون حفظَه اهتماما كبيرًا، وهم أصحاب ذِكرٍ يلهجون بالاستغفار والصلاة على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وينتسبون إلى الكتاب والسنَّة، فهما مصدر استدلالهم وعقائدِهم، ومؤسِّسُ الجماعة صاحبُ كراماتٍ مشهورةٍ ومعروفةٍ لدى القاصي والداني، كما يصرِّح به علماؤهم وخطباؤهم.

    وما تضمَّنتْه الفتوى في حقِّ الجماعة مبالَغٌ فيه، والأمانة تقتضي العدولَ عمَّا صدر منكم، وإعلانَ ذلك عبر موقعكم، لأنَّ الطعن في المؤمن محرَّمٌ لاسيَّما إذا كان المطعون فيه من أولياء الله، نسأل اللهَ لكم الهداية والتوبة من تفريق المسلمين وتشتيت صفوفهم، والله المستعان».

    الجواب:

    نورد أوَّلاً نصَّ فتوى الشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس -حفظه الله- كاملةً ثمَّ نعقبها بجوابٍ مفصَّلٍ عن الانتقاد الوارد عليها:

    في حكم الصلاة وراء إمامٍ يأتي بأورادٍ تيجانية

    السؤال:

    عندنا إمامٌ يأتي بأورادٍ تيجانيةٍ بعد صلاة العصر يوم الجمعة، ويأتي بصلاة الفاتح ظُهر الجمعة أيضًا، وليس لنا في الحيِّ الذي نسكن فيه مسجدٌ آخر نذهب إليه، والإخوة السلفيون قِلَّةٌ ليست لهم كلمةٌ تُسْمَع، فهل تجوز الصلاة خلف هذا الإمام ؟

    الجواب:

    الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

    فتختلف صحَّة الصلاة وبطلانها باختلاف حكم الإمام، فإن كان يعتقد الطريقة التيجانية اعتقادًا تصوُّفيًّا شِركيًّا كطوافه بالضريح والدعاء إليه والذبح له والقيام بالحضرات والمدائح الشركية وغيرها من الأمور المنكرة فلا شكَّ أنَّ الصلاة وراءه لا تصحُّ لأنَّ هذه الصفاتِ تناقض التوحيد من كل وجهٍ(1)، أمَّا إذا كان يذكر هذه الكلمات الشركية تقليدًا لا يدري معناها، ولم يلتزم الطريقة التي يلتزمها التيجانيُّون، ولا يحمل عقيدتهم، فالصلاة لنفسه تصحُّ وصلاة المأموم وراءه تصحُّ أيضًا، والواجب اتِّجاهه: تقديم النصيحة له بالالتزام بالتوحيد الخالص وترك أعمال الجاهلية، والاستقامة على الدِّين، فإن أبى وظلَّ متمسِّكًا بما هو عليه فلا يُصَلَّى خلفه، ويسعى إلى الصلاة في مسجدٍ إمامه سُنِّيٍّ تقام فيه الجماعة.

    والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

    الجزائر في: شوَّال 1426ه
    الموافق ل: نوفمبر 2006م

    فنقول وبالله التوفيق والسداد:

    إنَّ الذبَّ عن دين الله تعالى، وحفظَ جنابه، وصيانةَ حياضه ممَّا يسوؤه، وتنقيتَه ممَّا شابه من البدع والخرافات لمن أعظم القُربات، والقائم بذلك مرابطٌ على حدود الإسلام منافحٌ عنه، يرتقي بدفاعه عن الحقِّ إلى مدارج المجاهدين في ساحات الوغى الباذلين أعزَّ ما يملكون لتبقى كلمة الله -وهي التوحيد- عاليةً ورايتُه خفَّاقةً. قال ابن القيِّم -رحمه الله-: «وأمره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا. فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 51-52]، فهذه سورةٌ مكِّيَّةٌ أمر فيها بجهاد الكفَّار بالحجَّة والبيان وتبليغ القرآن، وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بتبليغ الحجَّة، وإلاَّ فهُم تحت قهر أهل الإسلام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير﴾ [التوبة: 73]، فجهادُ المنافقين أصعبُ من جهاد الكفَّار، وهو جهاد خواصِّ الأمَّة وورثةِ الرسل، والقائمون به أفرادٌ في العالَم، والمشاركون فيه والمعاونون عليه -وإن كانوا هم الأقلِّين عددًا- فهُم الأعظمون عند الله قدرًا»(2).

    ولله الحمد والمنَّة حيث قيَّض لهذه الأمَّة صفوةً من خلقه فتح عليهم بالفقه في دينه وشرَّفهم بفهم كلامِه وكلام نبيِّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فتعبَّدوه -وحده سبحانه- ببيان البدع والخرافات والتحذير منها ومن الداعين إليها، وتلك من أسمى وظائفهم التي ورثوها عن الأنبياء والمرسلين الموصوفين في كتاب الله بأنهم مبشِّرون مُنْذِرون.

    وما تنقضي منهم طائفةٌ إلاَّ ويُخْلِف الله منهم مَن يسير سيرَهم وينهج نهجَهم، كما جاء في الحديث الحسن: «لاَ يَزَالُ اللهُ يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ في طَاعَتِهِ»(3)

    وقيل لعبد الله بن المبارك -رحمه الله-: «هذه الأحاديث المصنوعة»؟ فقال: «يعيش لها الجهابذة»(4).

    وأمر هارون الرشيد بضرب عنق زنديقٍ، فقال له: «لِمَ تضرب عنقي؟» قال له: «أريح العباد منك»، قال: «فأين أنت من ألفِ حديثٍ وضعتُها على رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كلُّها ما فيها حرفٌ نطق به؟»، فقال له الرشيد: «فأين أنت يا عدوَّ الله من أبي إسحاق الفزاريِّ وعبد الله بن المبارك ينخلانها نخلاً فيخرجانها حرفًا حرفًا»(5).

    وإنَّ المسلم له حرمتُه، وعرضُه مصونٌ ما لم يتلبَّس بما يزيل المانع ويصيِّر الكلامَ فيه وبيانَ خطرِه وضررِه واجبًا شرعيًّا مستمَدًّا من نصوصٍ مستفيضةٍ في كتاب الله وسنَّة نبيِّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم. قال النوويُّ -رحمه الله-: «اعلم أنَّ الغِيبة تُباح لغرضٍ صحيحٍ شرعيٍّ لا يمكن الوصول إليه إلاَّ بها وهو ستَّة أسبابٍ»(6).

    ثمَّ شرع النوويُّ في شرحها إلى أن قال: «الرابع: تحذير المسلمين من الشرِّ ونصيحتهم، وذلك من وجوهٍ منها: جرحُ المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائزٌ بإجماع المسلمين بل واجبٌ للحاجة»(7).

    ولمَّا سلك أهلُ الإصلاح سبيلَ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وصحابته الكرام في ردِّ الاعتقادات الباطلة والتنفير منها؛ كان لزامًا أن يَلْقَوْا ما لقي سلفهم الصالح من الأذى والتُّهَم الباطلة، كما قال ورقة بن نوفلٍ للنبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ»(8)، ومِن هذا القبيل قولُ المنتقد-هداه الله-: «إنَّ المحذِّر من البدع مفرِّقٌ للمسلمين»!! وهل الفُرقة إلاَّ من أهل البدع والأهواء الذين غيَّروا ما كان مُجْمَعًا عليه بين القرون المفضَّلة، قال محمَّد البشير الإبراهيمي -رحمه الله- «إنَّنا علمْنا حقَّ العلم -بعد التروِّي والتثبُّت ودراسة أحوال الأمَّة ومناشئ أمراضها- أنَّ هذه الطرق المبتدعة في الإسلام هي سبب تفرُّق المسلمين، لا يستطيع عاقلٌ سلم منها ولم يُبْتَلَ بأوهامها أن يكابر في هذا أو يدفعه، وعلمْنا أنها هي السبب الأكبر في ضلالهم في الدين والدنيا، ونعلم أنَّ آثارها تختلف في القوَّة والضعف اختلافًا يسيرًا باختلاف الأقطار، ونعلم أنها أظهر آثارًا وأعراضًا وأشنع صورًا ومظاهر في هذا القطر الجزائريِّ والأقطار المرتبطة به ارتباطَ الجوار القريب منها في غيره، لأنها في هذه الأقطار فروعٌ بعضُها من بعضٍ، ونعلم أنَّنا حين نقاومها نقاوم كلَّ شرٍّ، وأنَّنا حين نقضي عليها -إن شاء الله- نقضي على كلِّ باطلٍ ومُنْكَرٍ وضلالٍ، ونعلم -زيادةً على ذلك- أنه لا يتمُّ في الأمَّة الجزائرية إصلاحٌ في أيِّ فرعٍ من فروع الحياة مع وجود هذه الطرقية المشؤومة، ومع ما لها من سلطانٍ على الأرواح والأبدان، ومع ما فيها من إفسادٍ للعقول وقتلٍ للمواهب»(9).

    هذا، وإنَّ ما ورد في فتوى الشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس -حفظه الله- السالفة، ليس فيها أدنى افتراءٍ أو تقوُّلٍ، وما ذكره -حفظه الله- عن التجانيين غير مبالَغٍ فيه كما زعم المعترض المنتقد، بل هو غيضٌ من فيضٍ، وقطرةٌ من بحرِ الانحرافات التي يموج فيها القوم.

    وحتَّى يطلِّع القارئ النبيه على أنَّ ما احتواه الانتقاد من وصف التجاني بأنه صاحب كراماتٍ، وأتباعِه بأوصاف الصلاح وتعظيم كتاب الله، وأنهم يستمدُّون عقيدتهم منه ومن سنَّة نبيِّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، ليطلِّع القارئ على عدم مطابقة الدعوى لحقيقة الجماعة، وأنهم -وإن كان ظاهرهم ما يدَّعون- إلاَّ أنهم بعيدون كلَّ البعد عن دعواهم، فإنَّ إدارة الموقع تضع بين يدي القارئ النبيه بحثًا عن أهمِّ أصول وعقائد التجانيِّين(10) موثَّقةً من كتبهم ومصادرهم المعتمدة، مع عرضٍ لأهمِّ الشبهات التي يستندون إليها وتفنيدها بصريح القرآن وصحيح السنَّة لينتفع به أهل الحقِّ، ويسترشد به من لا يزال في قلبه ريبةٌ أو شكٌّ، بأسلوبٍ بعيدٍ عن السبِّ والشتم، امتثالاً لقول ربِّ العالمين لموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام حين أرسلهما إلى فرعون الذي ادَّعى الربوبية: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44].

    قال ابن باديس -رحمه الله-: «وينبغي إذا دارت المباحثة بين الكتَّاب أن تكون في دائرة الموضوع، وفي حدود الأدب، وبروح الإنصاف، وخيرٌ أن تقيم الدليلَ على ضلال خصمك أو على غلطه أو على جهله، من أن تقول له: «يا ضالُّ»، أو «يا جاهل»، أو «يا غالط»، فبالأوَّل تحجُّه فيعترف لك، أو يكفيك اعتراف قُرَّائك، وبالثاني تهيِّجه فيعاند، ويضيعُ ما قد يكون معك من حقٍّ بما فاتك معه من أدبٍ»(11)، سائلين اللهَ العون والتوفيق والسداد في القول والعمل.

    وقد جاء البحث منتظمًا في المحاور التالية:

    • مدخل:

    - ترجمة التجاني.

    - نشأة الطريقة التجانية وعوامل انتشارها.

    - أشهر الكتب المؤلَّفة في الطريقة التجانية.

    • عقائد التجانية:

    • الفصل الأوَّل: عقيدتهم في الله تعالى.

    - وحدة الوجود عند التجانية.

    - إيمانهم بحصول العلم اللدني لمشايخهم بالترقِّي في الطريقة.

    - إيمانهم بأنَّ مشايخهم يعلمون الغيب.

    • الفصل الثاني: عقيدة التجانيين في صلاة الفاتح.

    • الفصل الثالث: عقيدتهم في النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.

    - اعتقادهم رؤية النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقظةً.

    - اعتقادهم بأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كتم شيئًا من الوحي.

    - إيمانهم بجواز التوسُّل بذات النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

    - غلوُّهم في حقِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.

    • الفصل الرابع: عقيدة التجانيين في اليوم الآخر.

    - اعتقادهم أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ضَمِنَ للتجاني وأتباعه الجنَّة.

    - اعتقادهم أنَّ التجانيَّ ضَمِنَ الجنَّة لمن رآه.

    • الفصل الخامس: الأدعية والأذكار عند التجانيين.

    • خلاصة عقائد التجانيين.

    ترجمة التجاني(12):

    هو أبو العبَّاس أحمد بن محمَّد بن المختار بن أحمد بن محمَّد بن سالمٍ التجاني، نسبةً إلى «بني توجين» أصحاب «تاهرت» و«تاكدمت» من البربر، إخوان بني زيان ملوك تلمسان وبني مرينٍ ملوك المغرب الأقصى، وبنو توجين هم أخوال أحمد التجاني، ولمَّا طال مقامه بينهم نُسب إليهم.

    وُلد سنة (1150ه-1737م) ب «عين ماضي» مدينةٍ من مدن صحراء الجزائر، وفيها نشأ وترعرع، ويقال: إنه حفظ القرآن وعمره سبعة أعوامٍ على يد الشيخ محمَّد التجاني، ثمَّ اشتغل بعد ذلك بطلب العلوم الشرعية والأدبية، فقرأ «مختصر خليل» و«الرسالة» و«مقدِّمة ابن رشد» و«الأخضري» على الشيخ المبروك بن بعافية المضاوي التجاني.

    وفي سنة (1171ه) ارتحل إلى ناحية فاس وسمع فيها شيئًا من الحديث، وأوَّل من لقيه فيها الطيِّب بن محمَّد اليملحي، وقد أخذ منه طريقته وأذن له في تلقين وِرْده، كما لقي فيها مجموعةً من مشايخ الصوفية وأخذ طرقهم، ثمَّ انتقل من المغرب إلى جهة الصحراء قاصدًا زاوية عبد القادر بن محمَّد الأبيض فأقام بها مُدَّةً ثمَّ انتقل منها إلى تلمسان، ومنها قصد بيت الله الحرام، ثمَّ انتقل إلى تونس ودخلها سنة (1186ه)، وأقام بها سنةً كاملةً بعضُها بمدينة «سوسة» وبعضها بمدينة «تونس»، درس فيها كتاب «الحكم العطائية» المحتوي على أنواعٍ من السلوك كالإخلاص والعزلة والزهد والمحبَّة والرضا، ثمَّ سافر إلى القاهرة، وفي شوَّالٍ سنة (1187ه) وصل إلى مكَّة، ولمَّا أكمل حَجَّه توجَّه إلى المدينة، ثمَّ رجع إلى بلده.

    توفِّي يوم الخميس السابع عشر من شوَّالٍ سنة (1230ه-1815م) وقد بلغ ثمانين سنةً.

    نشأة الطريقة التجانية وعوامل انتشارها

    سبق في ترجمة أحمد التجاني أنه التقى عددًا من مشايخ الصوفية وأخذ عنهم عِدَّة طرقٍ، لكنَّه لم يلبث أن تركها جميعًا وبدا له أن ينشئ طريقةً جديدةً يستقلُّ بها عمَّن سبقه، فكان ذلك ما حصل سنة (1196ه).

    قال في «جوهر المعاني»(13): «ثمَّ رجع إلى قرية أبي سمغون وأقام بها واستوطن، وفيها وقع له الفتح وأذن له صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في تلقين الخلق، وعيَّن له الورد الذي يلقِّنه في سنة (1196ه)، وعيَّن له صلَّى الله عليه وآله وسلَّم الاستغفار والصلاة عليه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم»، ومن هذا النقل يتَّضح أنَّ نشأة الطريقة التجانية إنما كانت بناءً على ما ادَّعاه أحمد التجاني من أنه رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقظةً وخاطبه ولَقَّنه الوِرد التجاني، فقد صارت «فاس» المركز الأوَّل لهذه الطريقة، ومنها انتشرت الطريقة على يد الأتباع حتَّى شملت الجزء الأكبر من غرب إفريقيا وشمالها.

    وترجع أهمُّ أسباب انتشار الطريقة التجانية إلى ما يلي:

    1- تدهور الحالة الأمنية لعصر نشأة الطريقة، حيث تكالبت دول أوربا على الدولة العثمانية الحاكمة للجزائر آنذاك، وكثرت الثورات الداخلية ضِدَّها نتيجةَ سوءٍ في الإدارة السياسية والأحوال المعيشية نهايةَ حكم الأتراك، ممَّا أورث ضَعفًا في الحركة العلمية، اقتصر على بعض الدروس لتعليم القرآن الكريم وبعض شروح الكتب الفقهية، وغلب التقليد الأعمى والتعصُّب المَقيت، وفشا الجهل وعمَّت الخرافة وهما عاملان مساعدان على البدع والمحدثات.

    2- مساندة الاستعمار الفرنسي للطرق الصوفية، يقول روم لاندو في كتابه «تاريخ المغرب في القرن العشرين»(14): «وقد خَبِر الفرنسيون قضيَّة الطرق الصوفية والدور الذي تلعبه مرَّاتٍ متعدِّدةً من قبل، وثَمَّة وثيقتان قَلَّما يعرفهما الناس تزودِّنا بالمعلومات الطريفة: أولاهما رسالةٌ بعث بها قبل قرنٍ من الزمن المارشال بوجو أوَّل حاكمٍ للجزائر إلى شيخ التجانية ذات النفوذ الواسع، إذ لولا موقفها المُشْبَع بالعطف لكان استقرار الفرنسيين في البلاد المفتتحة حديثًا أصعب بكثيرٍ ممَّا كان».

    3- إقبال الناس عليها لكثرة ما فيها من الثواب المزعوم وضمان الجنَّة بأيسر الأسباب، خصوصًا عند أناسٍ لا يفقهون من الدِّين إلاَّ الشيء اليسير، وعلى سبيل المثال نسوق ما ذكره التجانيون في فضل وردهم: «إنَّ من جملة ما ذكره سيِّدنا رضي الله عنه من فضل هذا الورد العظيم عن نبيِّنا المصطفى الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، أنَّ كُلَّ من أخذه عن الشيخ أو عَمَّن عنده الإذن الصحيح في التلقين، يكون مقامه ومستقرُّه من فضل الله تعالى في أعلى عليِّين بجوار سيِّد المرسلين وإمام المتَّقين صلَّى الله عليه وسلَّم وعلى آله وصحبه أجمعين، ويغفر الله له تعالى بفضله من ذنوبه الكبار والصغائر، وتؤدَّى عنه التبعات من خزائن الربِّ المجيد القادر، ولذلك كان آمنًا من أن يُروِّعه هول المحشر، أو يؤلمه ضنك القبر، وأزواجه وأولاده المنفصلون عنه دنيةً، وكذا أبواه داخلون معه في هذا الخير الجزيل، بشرط ألاَّ يصدر بغضٌ من الجميع في هذا الشيخ الجليل وجانبه الأعزِّ المنيع»(15).

    أبرز آثار أبي العبَّاس التجاني وأشهر الكتب المؤلَّفة في طريقته التجانية

    يأتي في المقام الأوَّل فيما خلَّفه من آثارٍ لمن بعده زاويته التجانية في «فاس»، ومن أشهر الكتب المؤلَّفة في الطريقة التجانية ما يلي:

    1- «جواهر المعاني»: وهو أهمُّ كتابٍ في الطريق والمرجع الأساسيُّ لهم، حتَّى إنهم يزعمون أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال فيه: «كتابي هذا وأنا ألَّفتُه»(16)، واسمه الكامل: «جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيِّدي أبي العبَّاس التجاني» جمعه علي حرازم، وقرأه على شيخه أحمد التجاني فأجازه في سائر ما فيه.

    وقد ذكر عبد الحيِّ الكتَّاني شيخ الطريقة الكتَّانية أنَّ الجزء الأوَّل من كتاب «جواهر المعاني» المؤلَّف سنة (1213ه) منقولٌ عن كتاب «المقصد الأحمد» المؤلَّف سنة (1094ه)، وأنَّ التجاني نقله عن هذا الكتاب ونسبه لنفسه، ولقد كان اكتشاف هذا الكتاب قاصمة الظهر للتجانيين.

    2- «رماح الحزب الرحيم على نحور حزب الرجيم» لمؤلِّفه: عمر بن سعيدٍ الفوتي الطوري الكدوي، كتبه سنة (1261ه)، وقد قال فيه بعض التجانيين: «إنَّ «الرماح» في هذه الطريقة مثل «المدوَّنة» في المذهب»(17).

    3- «الجامع لِما افترق من العلوم الفائضة من القطب المكتوم» لمؤلِّفه: محمَّد بن المشري، أحد كبار تلامذة التجاني، وقد اشتمل الكتاب على جُلِّ ما اشتمل عليه «جواهر المعاني» إلاَّ أنه زاد فيه بعض المسائل، لطول اجتماعه بشيخه بعد وفاة علي حرازم، وأفرد أحمد سكيرج ما انفرد به هذا الكتاب عن «الجواهر» في كتابٍ سمَّاه ب «السرِّ الباهر فيما انفرد به الجامع عن الجواهر».

    4- «الإفادة الأحمدية» لمؤلِّفه: الحاجِّ الطيِّب السفياني، وقد جمع فيه المؤلِّف ما سمعه بنفسه من الشيخ التجاني مشافهةً أو بلغه على لسان من سمعه منه، ورتَّبه على حروف المعجم، واختصره أحمد سكيرج في «كشف الحجاب» وجعل عليه شرحًا سمَّاه ب «الإجادة على الإفادة».

    5- «بغية المستفيد شرح منية المريد» لمؤلِّفه: محمَّد العربي السائح الشرقي العمري التجاني، و«منية المريد» من نظم: أحمد التجاني ابن بابا الشنقيطي العلوي.

    6- «الدرَّة الخريدة على الياقوتة الفريدة» لمؤلِّفه: محمَّد فتحا بن عبد الواحد السوسي النظيفي، وهو شرحٌ لمنظومةٍ في الطريقة التجانية اسمها «الياقوتة الفريدة».

    تلكم هي أهمُّ الكتب التي ألَّفها أصحابها عن الطريقة التجانية وأُسُسها وعقائدها.

    عقائد التجانية

    الفصل الأوَّل: عقيدتهم في الله تعالى

    في كتب التجانية ومصادرهم نصوصٌ تثبت عقائد منحرفةً وزائغةً عن الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن تصديق أنَّ هذه الطائفة التي تَدَّعي الصلاح والزهد تؤمن بعقائد كفريَّةٍ إلاَّ بعد الاطِّلاع على ما دَوَّنه علماؤهم وكبراؤهم في مؤلَّفاتهم.

    وحدة الوجود عند التجانية:

    تلك العقيدة التي لا يُقِرُّها عقلٌ ولا فطرةٌ فضلاً عن دين الله الحقِّ، يؤمن بها التجانيون ويصرِّحون بها، وإن كان الإنصاف يحملنا على أن نصرِّح بأنَّ التجانيِّين حيالَ عقيدة وحدة الوجود على ثلاثة أقسامٍ:

    - قسمٌ يؤمنون بها ويدافعون عنها وهم أكثر مشايخ التجانية المتقدِّمين.

    - قسمٌ ينكرونها ويكفِّرون قائلها -كما يقولون- وهم بعض المتأخِّرين منهم.

    - قسمٌ ثالثٌ هم غالب العامَّة الذين يقفون مع مشايخهم موقفَ: «اعتقد ولا تنتقد»، فهُم جَهَلَةٌ مقلِّدون.

    قال علي بن محمَّد آل الدخيل: «وقد سألتُ الدكتور الهلالي(18) الذي ظلَّ تجانيًّا مُدَّةَ تسع سنواتٍ: هل هذه العقيدة تُعَلَّم للأتباع أم هي للخاصَّة دون العامَّة؟ فأجاب بأنَّ هذه العقيدة لا يؤمن بها إلاَّ خواصُّ التجانيِّين»(19).

    وهذه بعض النصوص الدالَّة على انتحال التجانية لعقيدة وحدة الوجود:

    قال في «جواهر المعاني»(20): «..اعلم أنَّ أذواق العارفين في ذوات الوجود أنهم يرون أعيان الموجودات كسرابٍ بِقِيعةٍ، فما في ذوات الوجود كلِّه إلاَّ الله سبحانه وتعالى تجلَّى بصورها وأسمائها، وما ثمَّ إلاَّ أسماؤه وصفاته، فظاهر الوجود وصور الموجودات وأسماؤها ظاهرةٌ بصورة الغير والغيرية، وهي مقام أصحاب الحُجُب الذين حُجبوا بظاهر الموجودات عن مطالعة الحقِّ فيها».

    وقال أيضًا: «فكلُّ عابدٍ أو ساجدٍ لغير الله في الظاهر فما عبد ولا سجد إلاَّ لله تعالى، لأنه هو المتجلِّي في تلك الألباس، وتلك المعبودات كلُّها تسجد لله تعالى، وتعبده وتسبِّحه خائفةً من سطوة جلاله سبحانه وتعالى، ولو أنَّها برزت لعبادة الخلق وبرزت لها بدون تجلِّيه فيها لتحطَّمت في أسرعَ من طرفة العين لغيرته تعالى لنسبة الألوهية إلى غيره، قال سبحانه وتعالى لكليمه موسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:14]، والإله في اللغة هو المعبود بالحقِّ، وقوله: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا﴾ يعني: لا معبود غيري وإن عَبد الأوثان من عبدها فما عَبَد غيري، ولا توجَّهوا بالخضوع والتذلُّل لغيري..»(21).

    وقال في «ميدان الفضل والإفضال»: «..وأنَّ هذا الاعتقاد ليس هو اعتقاد القائل بوحدة الوجود؛ لأنَّ ذلك اعتقادٌ صحيحٌ شرعًا يقبله العقل السليم بالوهب الإلهي والفيض الرحماني وإن لم يدركه بالنظر الفكري..»(22).

    التعليق:

    إنَّ حكاية هذه الأقوال تغني عن رَدِّها وتفنيد أدلَّتها، ذلك لأنَّ القرآن صريحٌ في أنَّ الله تعالى بائنٌ من خلقه لا يشبهه شيءٌ من مخلوقاته، متَّصفٌ بصفات الكمال، منزَّهٌ عن النقائص والعيوب، ولقد كَفَّر الله النصارى القائلين بأنَّ الله حَلَّ واتَّحدَّ بعيسى عليه السلام، ﴿لقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:17]، فكيف بمن يعتقد أنَّ الله مُتَّحدٌ بجميع مخلوقاته، وأنَّ ما في الكون إلاَّ الله، تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.

    إيمانهم بحصول العلم اللدنيِّ لمشايخهم بالترقِّي في الطريقة:

    إنَّ ممَّا ابتُلي به الصوفيَّة عمومًا، والتجانية خصوصًا دعوى مريدي مشايخهم لأشياخهم أنهم -برياضة نفوسهم على أورادهم وسلوكهم- يترقَّوْن في الطريق فتحصل لهم معرفةٌ بالأحكام الشرعية تعلُّما بلا واسطةٍ يسمُّونه علمًا لَدُنِيًّا وإلهامًا وكشفًا ربَّانيًّا يوفَّقون به لمعرفة الحكم الشرعيِّ من غير مكابدة الطلب، ولا تلقٍّ بمطالعة الكتب أو مزاحمة العلماء بالرُّكَب، ولا استخدامٍ للقواعد والأصول، كأنما كُشف لهم عن مخدَّرات العلم ومخبَّآته الحجابُ، ولسان حالهم يقول: إنَّ من اتَّقى اللهَ علَّمه الله، عملاً بقوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ [البقرة: 282]. فجعلوا طريق معرفة الأحكام الشرعية مبناها على الاستحسان والمواجيد والأذواق والخواطر النفسية للشيخ المتبحِّر في طريقتهم.

    جاء في «الدرَّة الخريدة»: «إنَّ العبد إذا دخل في طريق القوم وتبحَّر فيه أعطاه الله عزَّ وجلَّ هناك قوَّة الاستنباط نظيرَ الأحكام الإلهية الظاهرة على حدٍّ سواءٍ، فيستنبط في الطريق واجباتٍ ومندوباتٍ وآدابًا ومحرَّماتٍ ومكروهاتٍ وخلافَ الأَوْلى نظير ما فعله المجتهدون..»(23).

    التعليق:

    هذا الكلام -في حقيقته- ينبئ عن صفةٍ ذميمةٍ هي «كذب الحال»، وقد قال النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»(24)، فقد جمع فيه أصحاب الطريقة بين ادِّعاء العلم وادِّعاء الأفضلية على العلماء، حيث زعموا أنه يحصل لهم ما يحصل للعلماء دون واسطةٍ أو كدٍّ أو طلبٍ، فقد جاء التحديد النبويُّ لطريق العلم الشرعي محصورًا بالتعلُّم، فلا سبيل للحصول عليه والوصول إليه إلاَّ بالتعلُّم الذي يقتضي بَذْلَ الجهد في طلبه وتحصيله، قال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، مَنْ يَتَحَرَّى الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَه»(25)، ثمَّ إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم جعل طلب العلم فريضةً على كلِّ مسلمٍ يسعى إليه ويسلكه لتحصيله، قال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»(26)، وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ»(27).

    أمَّا الآية في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾، فإنَّ الواو ليست عاطفةً وإنما هي للاستئناف كما ذكر ابن جريرٍ الطبري، وإن سلَّمْنا -جدلاً- أنها للعطف فإنَّ معناها أنَّ من اتَّقى الله وطلب العلم النافع أورثه الله فَهْمًا يَعرف به الحقَّ والباطل(28)، فبالعلم تحصل التقوى فهو سابقٌ عليها، فالتقوى ثمرة العلم النافع والعمل الصالح، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، غير أنَّ التيجانيِّين جعلوا الأمر معكوسًا، فصار العلم -عندهم- ثمرةً للتقوى، ناهيك عن نوع تقواهم التي جعلوها مسلكًا لهم.

    والمتأمِّل في هذا الكلام يلمس أنَّ حقيقته اعتماد المواجيد والأذواق والخواطر من غير وزنها بميزان الشرع، فجعلوها أصلاً سابقًا لِما سواه، وقدَّموها على الشرعيات حالَ التعارض.

    قال ابن تيمية -رحمه الله-: «فالمتكلِّمة جعلوا بإزاء الشرعيَّات العقليات أو الكلاميات، والمتصوِّفة جعلوا بإزائها الذوقيات والحقائق، والمتفلسفة جعلوا بإزاء الشريعة الفلسفة، والملوك جعلوا بإزاء الشريعة السياسة، وأمَّا الفقهاء والعامَّة فيخرجون عمَّا هو عندهم الشريعةُ إلى بعض هذه الأمور، أو يجعلون بإزائها العادة أو المذهب أو الرأي. والتحقيق: أنَّ الشريعة التي بعث الله بها محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم جامعةٌ لمصالح الدنيا والآخرة، وهذه الأشياء ما خالف الشريعة منها فهو باطلٌ وما وافقها منها فهو حقٌّ»(29).

    فالمكاشَف الحقُّ من يَزِنُ مكاشفاته بالكتاب والسنَّة، إذ لا عصمة للمكاشفات والخطابات ونحوها من الأحوال ولا دليل يدلُّ عليها، وغير المعصوم لا ثِقَةَ بخواطره لأنه لا يأمن وسوسة الشيطان(30).

    وحسْبُنا من ذلك أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه الذي كان ملهمًا بالصواب وينطق الحقُّ على لسانه، وأهل المكاشفات والمحادثات والإلهامات من هذه الأمَّة هم دون عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ببونٍ شاسعٍ، مع ذلك كان رضي الله عنه يحتاج إلى عرض ما قُذف في قلبه وانقدح في خاطره على الكتاب والسنَّة، فما وافقهما قبلَه وما خالفهما ردَّه، ولذلك كان يعارضه الصحابةُ رضي الله عنهم ولا يحتجُّ عليهم بما أُلقي في نفسه من إلهامٍ، أو يقابل اعتراضهم بكونه محدَّثًا، ولا أدلَّ على ذلك ممَّا وقع منه في الحديبية وعند وفاة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «فإنَّ مرتبة الصدِّيق فوق مرتبة المحدَّث، لأنَّ الصدِّيق يتلقَّى عن الرسول المعصوم كلَّ ما يقوله ويفعله، والمحدَّث يأخذ عن قلبه أشياء، وقلبُه ليس بمعصومٍ فيحتاج أن يعرضه على ما جاء به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولهذا كان عمر رضي الله عنه يشاور الصحابة رضي الله عنهم ويناظرهم ويرجع إليهم في بعض الأمور وينازعونه في أشياء، فيحتجُّ عليهم ويحتجُّون عليه بالكتاب والسنَّة ويقرِّرهم على منازعته ولا يقول لهم: أنا محدَّثٌ مُلْهَمٌ مخاطَبٌ فينبغي لكم أن تقبلوا منِّي ولا تعارضوني، فأيُّ أحدٍ ادَّعى أو ادَّعى له أصحابه أنه وليُّ لله وأنه مخاطَبٌ يجب على أتباعه أن يقبلوا منه كلَّ ما يقوله ولا يعارضوه ويسلِّموا له حالَه من غير اعتبارٍ بالكتاب والسنَّة فهو وهُمْ مخطئون، ومثل هذا من أضلِّ الناس»(31).

    أمَّا الاستحسان المجرَّد عن الأدلَّة الشرعية فلا يُلتفت إليه فضلاً عن جعله مرجعًا وأصلاً تُبنى عليه العقائد والأحكام، إذ الناس متفاوتون في أذواقهم كتفاوُتهم في عقولهم وإدراكاتهم، فما يستحسنه أحدهم قد يستقبحه آخر، فإن لم يرجعوا إلى الكتاب والسنَّة في استحسانهم ضاع الدين بين أهوائهم وأذواقهم، وقد تجتمع كلمة طائفةٍ منهم على استحسان ما استقبحه الشرع وأجمعت الأمَّة على ردِّه، أو استقباح ما استحسنه الشرع، وذلك هو الضلال الذي ما بعده ضلالٌ.

    قال ابن تيمية: «..فإنَّ مجرَّد الاستحسان بالذوق والوجدان إن لم يشهد له الكتاب والسنَّة وإلاَّ كان ضلالاً»(32).

    وسرُّ ذلك أنَّ الاستحسان الذي لا يشهد له الشرع ذريعةٌ إلى التشريع من دون الله، ولذلك قال الشافعي -رحمه الله-: «من استحسن فقد شرع»(33)، ومن المعلوم أنَّ الأُمَّة قاطبةً متَّفقةٌ على أنَّ الله سبحانه مُتفرِّدٌ بالتشريع، وهو من خصائص ربوبيته لا ينازعه في ذلك أحدٌ، كما جاء صريحًا في نصوصٍ كثيرةٍ منها: قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: 57]، وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 40]، فلا حلال إلاَّ ما أحلَّه الله ولا حرام إلاَّ ما حرَّمه.

    وإنَّ العبد مهما بلغ عبادةً وصلاحًا وتقوى فإنه لا يشارك الله في تشريعٍ لا في أمرٍ ولا نهيٍ، وليس لأحدٍ من العباد أن يقول: «هذا سُنَّةٌ وهذا واجبٌ» لشيءٍ لم يَرِدْ فيه دليلٌ من شرع الله، وإن فعل ذلك فقد نازع اللهَ في حقِّ الحاكمية وهو حقٌّ من حقوقه تعالى لا يجوز إلاَّ له، ومن فعل ذلك فقد أشبه النصارى الذين اتَّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31].

    ففي سنن الترمذي عن عديِّ بن حاتمٍ رضي الله عنه قال: «أتيت النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وفي عنقي صليبٌ من ذهبٍ، فقال: «مَا هَذَا يَا عَدِيُّ؟ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ»، وسمعته يقرأ في «سورة براءة»: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ قال: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ»»(34).

    فالله وحده هو الذي يحرِّم ويحلِّل وما أحلَّه فهو الحلال وما حرَّمه فهو الحرام، وليس لأحدٍ مهما سما وبلغ أيُّ حقٍّ في التشريع، فالاعتماد على الكشف والإلهام ونحو ذلك من الأحوال بمعزلٍ عن الشرع هو من أصول الإلحاد، ومن اعتقد أنَّ للشيخ القدرة على تشريع أحكامٍ تضاهي الأحكام الإلهية فقد ضلَّ ضلالاً بعيدًا.

    قال الشنقيطي -رحمه الله-: «وبالجملة، فلا يخفى على من له إلمامٌ بمعرفة دين الإسلام أنه لا طريق تُعرف بها أوامر الله ونواهيه، وما يُتقرَّب إليه به من فعلٍ وتركٍ إلاَّ عن طريق الوحي، فمن ادَّعى أنه غنيٌّ في الوصول إلى ما يرضي ربَّه عن الرسل وما جاءوا به ولو في مسألةٍ واحدةٍ فلا شكَّ في زندقته، والآيات والأحاديث الدالَّة على هذا لا تُحصى»(35)

    إيمانهم بأنَّ مشايخهم يعلمون الغيب:

    قال في «جواهر المعاني»: «ومن كماله رضي الله عنه(36) ونفوذ بصيرته الربَّانية وفراسته النورانية التي ظهر مقتضاها في معرفة أحوال الأصحاب، وفي غيرها من إظهار مضمراتٍ، وإخبارٍ بمغيباتٍ، وعلمٍ بعواقب الحاجات، وما يترتَّب عليها من المصالح والآفات، وغير ذلك من الأمور الواقعات»(37).

    وقال في «رماح حزب الرحيم»: «وينبغي على المريد أن يعتقد في شيخه أنه يرى أحواله كلَّها كما يرى الأشياء في الزجاجة»(38).

    وقال محمَّد العربي السائح الشرقي: «ومن إخباره بالغيب عن طريق كشفه رضي الله عنه إخبارُه بأمورٍ لم تقع إلاَّ بعد وفاته إمَّا بالتصريح أو بالتلويح»(39).

    تفنيد شبهة التجانيين:

    استند التجانيون لإثبات معرفة شيوخهم الغيبَ والأشياءَ المستقبلية التي لم تقع بعدُ إلى شبهةٍ واهيةٍ لخَّصها محمَّد فتحا بقوله: «قلت: لا مانع من كونه تعالى يُطلع على غيبه بعض أصفيائه كما قال تعالى: ﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجنّ: 27]، يعني: «أو وليٍّ» كما قال بعض العارفين، والصحيح أنه لم يُنقل من هذه الدار حتَّى أطلعه الله على مفاتح الغيب، فلتكن بعض خواصُّ أمَّته كذلك بطريق الوراثة المحمَّدية..»(40).

    الجواب:

    جواب هذا الإيراد أنَّ الاطِّلاع على الغيب من خصوصيات الله سبحانه وتعالى، جاء ذلك صريحًا في أكثر من آيةٍ في كتاب الله عزَّ وجلَّ منها: قوله تعالى: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ [يونس: 20]، وقوله: ﴿وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: 123]، وقوله: ﴿قُل لاَ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ [النمل: 65]، وغيرها من الآيات المصرِّحة بحصر علم الغيب بالله وحده ونفيه عَمَّن سواه، فلا يعلم الغيب ملكٌ مُقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ إلاَّ من أطلعهم الله عليه.

    وأمَّا إلحاق الوليِّ بالرسول كما ادَّعاه التجاني فإلحاقٌ مع ظهور الفارق؛ ذلك لأنَّ الله يُطلع رسله على الأمور الغيبية عن طريق الوحي الذي يستحيل في حقِّ الوليِّ.

    قال القرطبي المالكي: «فالله تعالى عنده علم الغيب وبيده الطرق الموصلة إليه لا يملكها إلاَّ هو، فمن شاء إطلاعه عليها أَطْلَعه، ومن شاء حجْبَه عنها حَجَبَه، ولا يكون ذلك من إفاضته إلاَّ على رسله بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾[آل عمران: 179] وقال: ﴿إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: 27]»(41).

    وأمَّا قوله: «والصحيح أنه لم يُنقل من هذه الدار حتَّى أطلعه الله على مفاتح الغيب، فلتكن بعض خواصِّ أُمَّته كذلك بطريق الوراثة المحمَّدية» فلا نسلِّم أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أُطلع على مفاتح الغيب لقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: 59]، فالآية صريحةٌ في أنَّ الله اختصَّ نفسه بمفاتح الغيب ولم يُطلع عليها أحدًا من خلقه، وفي الحديث: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ: لاَ يَعْلَمُ مَا في غَدٍ إِلاَّ الله، وَلاَ يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلاَّ الله، وَلاَ يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المطَرُ أَحَدٌ إِلاَّ اللهُ، وَلاَ تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلاَ يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَاعَةُ إِلاَّ اللهُ»(42)، قال ابن مسعودٍ رضي الله عنه: «أُعطِي نبيُّكم كلَّ شيءٍ إلاَّ مفاتح الغيب»(43)، وإذا كانت المقدِّمة غير سليمةٍ فما بُني عليها فمثلها لأنَّ «مَا بُنِيَ عَلَى فَاسِدٍ فَفَاسِدٌ».

    الفصل الثاني: عقيدة التجانيين في صلاة الفاتح:

    «القرآن كلام الله نزل به جبريل عليه السلام على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، المتعبَّد بتلاوته، منه بدأ وإليه ويعود، ليس بمخلوقٍ ولا يشبه كلام المخلوقين، وفضلُ القرآن على غيره من سائر الكلام كفضل الله على خلقه»، هذا هو المعتقد الذي كان عليه صحابة النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأجمع عليه أهل القرون المفضَّلة، بينما للتجانيين في كلام الله معتقَدٌ مبايِنٌ لِما عليه الحقُّ، فقد هَوَّنوا من القرآن وجعلوا لكلام شيخهم مرتبةً تفوق مرتبة كلام الله، وأعطوا قارئ وِرْدهم من الفضل ما لم ينله حافظ القرآن، حيث يعتقد كثيرٌ من التجانيين بأنَّ «صلاة الفاتح لِما أُغلق»(44) أفضل من القرآن الكريم، وأنها من كلام الله.

    جاء في جواهر المعاني: «..ثمَّ أمرني بالرجوع صلَّى الله عليه وسلَّم إلى صلاة «الفاتح لِما أُغلق»، فلمَّا أمرني بالرجوع إليها سألتُه صلَّى الله عليه وسلَّم عن فضلها، فأخبرني أوَّلاً بأنَّ المرَّة الواحدة منها تعدل من القرآن ستَّ مراتٍ، ثمَّ أخبرني ثانيًا أنَّ المرَّة الواحدة منها تعدل من كلِّ تسبيحٍ وقع في الكون ومن كلِّ ذكرٍ ومن كلِّ دعاءٍ كبيرٍ أو صغيرٍ ومن القرآن ستَّة آلاف مرَّةٍ لأنه من الأذكار»(45).

    وقال مؤلِّف «الدرَّة الخريدة»: «..واعتقاد المصلِّي بها أنها في صحيفةٍ من نورٍ أُنزلت بأقلام قدرةٍ إلهيةٍ وليست من تأليف زيدٍ ولا عمرٍو، بل هي من كلامه سبحانه، وأنها لم تكن من تأليف البكري، وفي «جع»(46): والفضل الذي فيها لا يحصل إلاَّ بشرطين: الأوَّل: الإذن، الثاني: أن يعتقد الذاكر أنَّ هذه الصلاة من كلام الله تعالى كالأحاديث القدسية وليست من تأليف مؤلِّفٍ»(47).

    التعليق:

    - تفضيل التجانيِّين صلاة الفاتح على القرآن من أبشع منكراتهم، وأقبح مساوئهم، فكيف يُعقل أن يكون كلامٌ لم يُرْوَ في كتابٍ من كتب الحديث ولا سندَ له ولو ضعيف، يساوي كلام من لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، سبحانك هذا بهتان عظيم!! وقد قال الله تعالى في محكم تَنْزِيله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]، فمجرَّد الإتيان بمثل كلام الله من المستحيلات، فكيف بالإتيان بما هو أفضل منه بمرَّاتٍ!!

    - هذا الاعتقاد المدوَّن في كتب القوم ومراجعهم -ولو حاولوا تأويله- صدٌّ عن كتاب الله تلاوةً وتدبُّرًا، فعملاً وتحاكمًا، فإنَّ من يعتقد أنَّ صلاة الفاتح التي لا تتجاوز ثلاثة أسطرٍ تعدل ستَّة آلاف ختمةٍ من القرآن سينصرف -لا محالة- عنه إلى كلماتٍ لا تتطلَّب منه وقتًا وجُهدًا، فيكون مستحقًّا للذمِّ الوارد في قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30].

    - ادِّعاء التجاني أنه تلقَّى صلاة الفاتح من النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقظةً بعد الالتقاء به لقاءً حسِّيًّا مادِّيًّا: شطحةٌ صوفيةٌ سيأتي الردُّ عليها في بابها إن شاء الله.

    وما يزيدها قبحًا وشناعةً اعتقاد التجانيِّين أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم خصَّ زعيمهم بفضل الوِرد المزعوم، قال: «ومن أخذ عنِّي الورد المعلوم الذي هو لازمٌ للطريقة، أو عمَّن أذنته يدخل الجنَّة هو ووالداه وأزواجه، وذرِّيَّاته المنفصلة عنه لا الحفدة بلا حسابٍ ولا عقابٍ، بشرط أن لا يصدر منهم سبٌّ ولا بغضٌ ولا عداوةٌ وبدوام محبَّة الشيخ بلا انقطاعٍ إلى الممات، وكذلك مداومة الورد إلى الممات»(48).

    وقال: «فلمَّا تأمَّلتُ هذه الصلاة وجدتُها لا تزنها عبادة جميع الجنِّ والإنس والملائكة»(49).

    - إذا كانت هذه الصلاة من كلام الله فكيف يصحُّ للتجاني أن يزيد فيها لفظ «سيِّدنا» ويزعم أنَّ الله يقول: «اللهمَّ صلِّ على سيِّدنا محمَّد..» أفلا يدري أنَّ الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ليس سيِّدًا لله بل الله هو السيِّد، فعن مطرِّف بن عبد الله بن الشخِّير يحدِّث عن أبيه قال: «جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: أنت سيِّد قريشٍ، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «السَّيِّدُ اللهُ»، قال: أنت أفضلها فيها قولاً وأعظمها فيها طَوْلاً، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لِيَقُلْ أَحَدُكُمْ بِقَوْلِهِ، وَلا يَسْتَجِرُّهُ الشَّيْطَانُ»»(50).

    - كلام الله صفةٌ من صفاته، والكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات، فكما أنَّ ذات الله لا يشبهها ذوات المخلوقين فإنَّ كلام الله لا يشبهه كلام المخلوقين، ومن اعتقد أنَّ كلام البشر ككلام الله فقد كفر، فكيف بمن فضَّل كلامهم على كلامه سبحانه.

    الجزائر في: 18 جمادى الثانية 1432ه
    الموافق ل: 21 مــايــو 2011م

    - عاين الجزء الثاني -



    (1) وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بعدم صحَّة الصلاة خلف من يعتقد العقيدة التيجانية؛ لأنها عقيدة كفرٍ وضلالٍ. [انظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» جمع وترتيب الدويش (7/ 362)].

    (2) «زاد المعاد» لابن القيِّم (3/ 5).

    (3) أخرجه ابن ماجه في باب اتِّباع سنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، رقم (8)، من حديث أبي عنبة الخولاني رضي الله عنه، وحسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (5/ 571).

    (4) «اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» للسيوطي (2/ 472).

    (5) «تذكرة الحفَّاظ» للحافظ شمس الدين الذهبي (1/ 273).

    (6) وقد جُمعت في بيتين هما:

    القَدْحُ لَيْسَ بِغِيبَةٍ فِي سِتَّةٍ ... مُتَظَلِّمٍ وَمُعَرِّفٍ وَمُحَذِّرِ

    وَمُجَاهِرٍ فِسْقًا وَمُسْتَفْتٍ وَمَنْ ... طَلَبَ الإِعَانَةَ فِي إِزَالَةِ مُنْكَرِ

    (7) «رياض الصالحين» للنووي: باب ما يُباح من الغِيبة.

    (8) أخرجه البخاري في «بدء الوحي» باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (3)، ومسلم في «الإيمان» (160)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

    (9) «آثار الإمام محمَّد البشير الإبراهيمي» (1/ 190).

    (10) لمن أراد التوسع يمكنه الاستعانة بالمراجع التالية:

    «التجانية، دراسةٌ لأهم عقائد التجانية على ضوء الكتاب والسنَّة» للدكتور علي بن محمد آل دخيل الله،

    «الهداية الهادية إلى الطائفة التجانية» للدكتور محمَّد تقي الدين الهلالي،

    «مشتهى الخارف الجاني في ردِّ زلقات التجانيِّ الجاني» لمحمد الخضر بن سيدي عبد الله الجكني الشنقيطي،

    «كشف الحجاب عمَّن تلاقى مع الشيخ التجاني من الأصحاب» لأحمد بن الحاج العياشي سكيرج،

    «الدرر السنية في شروط وأحكام وأوراد الطريقة التجانية» لمحمد سعد بن عبد الله الرباطابي التجاني.

    (11) «مجلَّة الشهاب» ( 4/ 244).

    (12) انظر ترجمته في: «جواهر المعاني» لعلي حرازم (1/ 30)، «سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أُقبر من العلماء والصلحاء بفاس» لمحمَّد بن جعفر الكتَّاني رقم (119).

    (13) (1/ 51).

    (14) (ص 140) طبعة دار الثقافة.

    (15) «بغية المستفيد شرح منية المريد» لمحمَّد العربي السائح التجاني (273).

    (16) المصدر نفسه (183).

    (17) «جناية المنتسب العاني» لأحمد سكيرج (2/ 72).

    (18) هو محمَّد تقي الدين الهلالي.

    (19) «التجانية، دراسةٌ لأهمِّ عقائد التجانية على ضوء الكتاب والسنَّة» (86).

    (20) (1/ 259).

    (21) «جواهر المعاني» (1/ 184).

    (22) «ميدان الفضل والإفضال في شمِّ رائحة جوهرة الكمال» لعبيدة بن محمَّد الصغير (62).

    (23) «الدرَّة الخريدة» (3/ 216).

    (24) أخرجه البخاري (5219)، ومسلم (2130)، من حديث أسماء رضي الله عنها.

    (25) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (3/ 118)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. وحسَّنه الألباني في «السلسة الصحيحة» (1/ 670).

    (26) أخرجه ابن ماجه (224) من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه. وهو في «صحيح الجامع» (3913).

    (27) أخرجه الترمذي (2646) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وهو في «صحيح الجامع» (6298).

    (28) انظر: «تفسير القرطبي» (3/ 406).

    (29) «مجموع الفتاوى» (19/ 308).

    (30) انظر: «أضواء البيان» للشنقيطي (4/ 159).

    (31) المصدر السابق (11/ 208)

    (32) «الاستقامة» لابن تيمية (1/ 391).

    (33) انظر: «الأمَّ» للشافعي (6/ 219).

    (34) أخرجه الترمذي في «تفسير القرآن» باب ومن سورة التوبة (3095)، وحسَّنه الألباني في «غاية المرام» (19)، وانظر: «السلسلة الصحيحة» (9/ 73).

    (35) «أضواء البيان» للشنقيطي (4/ 159).

    (36) الترضيةُ تُطلقُ على الصحابة خاصَّةً على أرجح أقوال أهل العلم على وجهٍ لازم التحقيق لمن عيَّنتهم الآياتُ القرآنية في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18]، ولقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البيِّنة: 8].

    (37) (1/ 63).

    (38) «رماح حزب الرحيم في نحور حزب الرجيم» لعمر بن سعيد الفوتي الطوري (1/ 28).

    (39) «بغية المستفيد» ص (246).

    (40) «الدرَّة الخريدة» (1/ 219).

    (41) «تفسير القرطبي» (7/ 5).

    (42) أخرجه البخاري في «تفسير القرآن» (2/ 527) باب قوله: ﴿اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

    (43) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 210).

    (44) ونصُّها: «اللهمَّ صلِّ على سيِّدنا محمَّدٍ الفاتح لِما أُغلق، والخاتم لِما سبق، ناصر الحقِّ بالحقِّ، الهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حقَّ قدره ومقداره العظيم». انظر: «أحزاب وأوراد التجاني» (12).

    (45) (1/ 136).

    (46) هذا الرمز يرمز به مؤلِّف «الدرَّة الخريدة» لكتاب الجامع لابن المشري.

    (47) «الدرَّة الخريدة» (4/ 128).

    (48) «جواهر المعاني» (1/ 98).

    (49) «جواهر المعاني» (1/ 101).

    (50) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/ 24)، وأبو داود في «الأدب» (4806) باب في كراهية التمادح، والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح الجامع» (3700).


    المصدر: موقع الشيخ العلامة محمد علي فركوس - حفظه الله تعالى -

    www.ferkous.com


       طباعة 
     

     
     
    محمد , مقال , فركوس , التيجانيه , مقالات , التيجانية , علي table
    التعليقات : تعليق
     

    « إضافة تعليق »

    اضافة تعليق
    اسمك
    ايميلك

    /500
    تعليقك
    2 + 2 = أدخل الكود

     
     
    table
    جديد المقالات
     

    جديد المقالات
    رزيق بن حامد القرشي - تراجم العلماء و طلاب العلم
    الحقوق المشتركة بين الزوجين - ركــــن الـمـقـالات

     
     
    عدد الزوار
    انت الزائر :2884066
    [يتصفح الموقع حالياً [ 188
    الاعضاء :0الزوار :188
    تفاصيل المتواجدون
    الرجاء ملاحظة أنك بحاجة إلى هذه البرامج

    Powered by: MktbaGold 6.5